تمشي على إستحياء
وتمضي الايام فتأكل من عمرنا ما تأكله ولا يتبقى لنا الا تاريخ يحفظه كلاً منا ؛ ليحسب كم مضى من العمر ، ويتساءل بفضول عمّا تبقى. بين لحظات سعيده ، وأخرى نتحسر فيها على الزمان الذي نشغله ويشغل فينا الكثير ، فنقولها احياناً وبصدق : يا ليتني وُلِدت في عهد الصحابه.
تمشي على (استحياء) لفظة قرانية تخط لكل فتاه دستورا لو طبقته لعاشت ملكه ، أعوام طويلة مرت وما زالت تمشي على استحياء في خاطري ، لا تغادر روحي.
و حين كنت في محاضرة صوتية للشيخ احمد القبطان عنوانها (الحياء وفتنة النساء)، تحدث فيها الشيخ عن الآية :
[ فجاءته احداهما تمشي على استحياء].
وكان لشرحه وكلماته وقع جميل في نفسي ، كالغيث اللطيف ، جلست انصت واتخيلها وهي تمشي مع اختها على استحياء ، فتاتان رقيقتان اضطرتهما ظروف الحياه للخروج لرعي الغنم ، وليست بالمهمه السهله عليهما.
تبتلعهما ارض واسعه وحياه غليظه ، خرجت الحبيبه لترعى الغنم سيراً على الاقدام ، والرمال الساخنه تلفح بشرتها الرقيقه ، تتلفت يميناً ويساراً ، تتحمل حرارة الشمس صبراً على صبر ، براً بأبيها الشيخ الكبير ، والذي منعه كبر عمره من الخروج ، فقامت وخرجت واستأنست بأختها لتقوم بالمهمه بكل ثقة ، لكنها لم تتخلى عن حيائها الجميل ؛ فالعمل لأجل لقمة العيش لا يتنافى مع الحياء.
يقول عليه الصلاه والسلام “الحياء والايمان قرنا جميعاً ، فإذا رُفِع احدهما رُفِع الآخر”.
ابسط كفيك وانت تقرأ كلماتي الآن والصقهما ببعضهما ، ارفعهما لأعلى معاً واخفضهما لأسفل معاً ، هكذا الحياء ؛ ملاصق للإيمان ، لو غادر الحياء نفسك لابد سيرحل الإيمان ، إذا رُفِع الأول رُفِع الثاني.
وابنه شعيب ؛ عندما أمرها أبوها أن تعود وتدعو موسى الذي آوى إلى ظل شجرة وجلس يدعو ربه ، جاءته تمشي على استحياء ، قيل في التفسير انها كانت تخفي وجهها بثوبها ، وقيل بكُمّها ، وقيل لما ارسلها والدها قام سيدنا موسى معها ، وقال لها امضي ، فمشت بين يديه (امامه) ، فضربتها الريح ؛ فقال لها سيدنا موسى امشي خلفي ودليني على الطريق إن أخطأت ، حتى لا تكشف الريح جسدها امامه ، فكانت تلقي الحجر يمينا ويسارا لتدله.
الشيخ محمد رفعت رحمه الله كان يقرأ الآيه هكذا :
[ فجاءته احداهما تمشي على استحياء]
ثم يتوقف ويعيد :
( على استحياء قالت).
وهذا من عبقرية التلاوة ؛ فالحياء في المشي وفي القول ايضا ، غير متبخترة ولا متثنية ولا مظهرة زينة ، وأخبرته وبينت له قصداً ، وهو ان اباها هو الذي يطلبه وليست هي ليجزيه على مروءته وشهامته وعونه لهما…
الله الله!
انظروا يا أحباب عفت سيدنا موسى!
العفيف الشريف سار امامها وجعلها خلفه ؛ حياءً حتى لا يُفتَن بها وهي تسير امامه! فالحياء خلقه هو الاخر ، وهذا ما يغفله المتأملون في جمال قصه سيدنا موسى وبنات مدين ، أنت أيضاً أيها الشاب تحلى بالحياء ..
استحِ من الله!
وعندما عادت وحكت لأبيها أدرك الأب بفراسته أنه شاب تقي صالح أمين ، فعرض عليه أن يتزوج إحدى ابنتيه فقال :
[ إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين ].
أي طلب إليه هذا الرجل الشيخ الكبير أن يرعى عنه ويزوجه إحدى ابنتيه هاتين.
قال سفيان الثوري عنها إنها من أفرس الناس حين قالت :
[ يا أبتِ استاجره إن خير من استأجرت القوي الأمين].
وقد استوسم فيه شعيب صلاحه وحسن خلقه ؛ فعرض عليه ما عرضه وتم الزواج.
وضرب لنا أُمنا عائشة رضي الله عنها اعظم مثال في الحياء ، تقول رضي الله عنها
“كنت ادخل بيتي الذي دفن فيه الرسول صلى الله عليه وسلم وأبي ، فأضع ثوبي فأقول : إنما هو زوجي وأبي ، فلما دفن عمر رضي الله عنه معهما ، فوالله ما دخلت إلا وأنا مشدودة على ثيابي حياء من عمر”.
رضي الله عنكِ يا حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أي حياء أعلى من هذا الحياء ؟
لله دُرّها ، تستحي من رجل قد مات ودفن تحت الثرى!
وكذا استحت فاطمة بنت الحبيب صلى الله عليه وسلم وهي تتخيل نفسها بعد وفاتها بكفن من خمس طبقات أمام الرجال ؛ فجلست حزينة شاردة حتى سألتها اسماء بنت عميس عن سبب شرودها ، فلما أخبرتها قالت لها اسماء :
“ألا أصنع لكِ شيئًا رأيته في الحبشة؟
نضع أعمدة على أركان النعش حتى يرتفع الغطاء على الأعمدة ، فلا يبين اي شيء”.
فردت فاطمة قائلة:
” اللهم استرها كما سترتني”.
لله دُرّها ، تستحي وهي ميتة! ذاك والله نعم الخلق ، فاللهم جملنا بالحياء والحياء الحقيقي لا يمنع ان تكوني ذات رأيي وعلم وشخصيه وحضور وفراسه ، ولا يمنع من الأمر بالمعروف ، ومن النهي عن المنكر ، الحياء فضيله ، وليس الحياء كالخجل ؛ فبينهما فارق كبير!
الخجل ضعف النفس ، أما الحياء فعزتها وكرامتها.
وأن تضرب المقارنة بين (المرأة العاملة) الناجحة وبين (ذات الحياء) ، فتلك مقارنه لا تصح ؛ لأن لا تضاد بين الحياء والعمل والعلم.
عن أنس قال:
قال رسول الله صلى
الله عليه وسلم:
” إن لكل دين خلقاً وخلق الإسلام الحياء”.
الحياء ليس ضعفًا ولا هوانًا ، وليس نقصًا في الفتاة أن تكون حيية ؛ بل تلك الفطرة التي وضعها الله في كل أنثى لتحلو بها ، بإهابها الأنثوي الرقيق وطبعها الرقيق.
وتلك خصلة يحبها الزوج في زوجته ، شئنا ام ابينا ، حياء المرأه كثيرا ما يكون اكثر جاذبيه من جمال ملامحها ، ولكن المرأه الصالحه لا تتجمل بالحياء من اجل الرجل ، ولكنها لله ، لله وحده.
والحياء سلوك نثمنه جميعًا في الفتيات ، كما ننبذ وننفر من الفتاة التي تخلط بين الجرأة وقوة الشخصية؛ فتشوه صورتها.
الحياء قوة ، منتهى القوة أن تتحلى المرأة بالحياء في نظراتها وكلماتها وحركاتها وسكناتها ، ولا يتنافى هذا مع العلم والعمل.
تمسّكن بالحياء يا حبيبات ؛ فهو حلية المرأة وزينة الفتاة.